ابن خلكان

422

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وكان عاقلا ديّنا متوقفا عن الدماء ، ويقال إنه كان شرها نكّاحا ، يأكل في كل يوم نحو مائة رطل ، وكان به عرج . وحج بالناس « 1 » سنة سبع وتسعين فمرّ على المدينة وهو يريد مكة فقال : أهاهنا أحد يذكّرنا ؟ فقيل له : أبو حازم ، فأرسل إليه فدعاه ، فلما دخل عليه قال له : يا أبا حازم ، ما هذا الجفاء ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، أعيذك باللّه أن تقول ما لم يكن ، ما عرفتني قبل ولا أنا رأيتك ، فالتفت سليمان إلى محمد ابن شهاب وقال : أصاب الشيخ وأخطأت أنا ؛ فقال سليمان : يا أبا حازم ، ما لنا نكره الموت ؟ قال : لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب ، قال : صدقت ، فكيف القدوم على اللّه عز وجل غدا ؟ قال : أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله ، وأما المسئ فكالآبق يقدم على مولاه ، فبكى سليمان وقال : ليت شعري ، ما أنا عند اللّه ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، اعرض عملك على كتاب اللّه عز وجل ، قال : وأين أجده ؟ قال : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( الأعراف : 56 ) ، قال : يا أبا حازم ، فأي عباد اللّه أفضل ؟ قال : أولو المروءة والتقى ، قال : فأي الأعمال أفضل ؟ قال : أداء الفرائض مع اجتناب المحارم ، قال : فأي الدعاء أسمع ؟ قال : دعوة المحسن للمحسن ، قال : فأي الصدقة أزكى ؟ قال : صدقة السائل البائس وجهد من مقلّ ليس فيها منّ ولا أذى ؛ قال : فأيّ القول أعدل ؟ قال : قول الحق عند من يخافه أو يرجوه ؛ قال فأي الناس أحمق ؟ قال : رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره ؛ قال : صدقت ، فما الذي تقول فيما نحن فيه ؟ قال : يا أمير المؤمنين أو تعفيني من ذلك ؟ قال : لا ، ولكن نصيحة تلقيها إليّ ؛ قال : إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين ولا رضى حتى قتلوا عليه مقتلة عظيمة وارتحلوا عنها ، فلو سمعت ما قالوا وما قيل لهم ؛ فغشي على سليمان ، فقال رجل من جلسائه : بئس ما قلت يا أبا حازم ! قال أبو حازم :

--> ( 1 ) هذا النص موافق في معظمه لما في الإمامة والسياسة 2 : 88 وقارن بما في العقد 3 : 163 .